محمد العامري الغزي

85

المطالع البدرية في المنازل الرومية

من الغيظ . فلم نزل ذلك اليوم في شغل شاغل حتى جمعنا بين طرفي البكر والأصائل ، وولّى ذلك النهار الطائل وعطفه في الثوب القصير رافل ، وأخذت الشمس في الاصفرار من ذلك المنظر المهول ، وعزمت على الفرار وصممت على الأفول ، فنزلنا حينئذ بمرج متسع قاطع قلعة المركز ، قد ألبسه الربيع ثيابا سندسيّة طرّفها « 1 » بأنواع الزهر وطرّز ، وسحب عليه النسيم أذياله ، فاكتست من عرفه شذا ، وجرت في خلاله عيون كالأنهار سالمة « 2 » من الكدر والقذا ، ودارت كاسات رحيقها فانتشى الغصن مستنبذا ، وروى العشب واغتذا ، وجاوره البحر المالح فلم يحصل له بمجاورته أذى ، [ 37 ب ] فبتنا بتلك البقعة المتسعة ليلة سابع شوال وهي ليلة الجمعة ، ورحلنا منها عندما اكتهل الليل وشاب ، وأقبل النهار يخطر في برود الشباب ، وغردت الحمائم على أعوادها ، وأعربت بعجمتها عما أكنته من الشجو في فؤادها ، فأثارت تباريح أشجان لم تبرح ، وأفاضت مياه أجفان لم تنزح ، وترنمت متمثلا في تلك البقاع بقول عديّ ابن زيد المعروف بابن الرّقاع العامليّ « 3 » : [ من الطويل ] ومما شجاني أننّي كنت نائما * أعلّل من برد الكرى بالتنسم إلى أن دعت ورقاء في غصن أيكة * تردد مبكاها بحسن الترنم ولما تلاقينا وجدت بنانها * مخضبة تحكى عصارة عندم فقلت خضبت الكفّ بعدي هكذا * ولم تحفظي عهد المشوق المتيم فقالت وأذكت في الحشا لاعج الهوى * مقالة من الود لم يتبرم

--> ( 1 ) وردت في ( م ) : « فوفها » . ( 2 ) وردت في ( ع ) : « سالة » . ( 3 ) سقطت هذه الكلمة من ( م ) و ( ع ) ، وبعض هذه الأبيات في ديوان ابن الرّقاع ص 266 .